الفيض الكاشاني
55
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
فيها ورغب فيما عند اللّه وكان اللّه ، آنسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزّه من غير عشيرة . يا هشام ، نصب الحقّ لطاعة اللّه ، ولا نجاة إلّا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم بالتعلّم ، والتعلّم بالعقل يعتقد ، ولا علم إلّا من عالم ربّاني ، ومعرفة العلم بالعقل . يا هشام ، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود . يا هشام ، إنّ العاقل رضي بالدّون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدّون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم . يا هشام ، إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض . يا هشام ، إنّ العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقّة ، ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقّة ، فطلب بالمشقّة أبقاهما . يا هشام ، إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا ، ورغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة ، وأن الآخرة طالبة مطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة ، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته . يا هشام ، من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدّين فليتضرّع إلى اللّه في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا . يا هشام ، إنّ اللّه تعالى حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 1 » . حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا ، وسرّه لعلانيته موافقا ، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 8 .